في الذكرى الثانية لاستشهاد سيد المقاومة ورفع راية العشق: حسن نصر الله «قدس سره»
أ.محمد البحر المحضار ...
---
ماذا نقول في رجلٍ إذا ذكرناه، ضاقت الكلمات، واتسعت العيون بالدموع، وارتجف القلب من الشوق قبل اللسان؟
ماذا نقول في رجلٍ إذا مرّ اسمه على الخاطر، مرّ كالنسيم على الجراح، لا يُخفيها بل يُذكّرها بأنها جراحُ الأحرار؟
ماذا نقول في رجلٍ إذا تحدثنا عنه، تحدثنا عن وطنٍ يسكن في الصدر، وعن أبٍ لم تلده لنا الأرحام، وعن حبيبٍ لم نرَ وجهه إلا في الشاشات، لكنه سكن الروح كأنه لم يفارقها لحظةً واحدة؟
ماذا نقول في رجلٍ علّمنا أن العشق ليس فقط للنساء، ولا للجمال، ولا للأوطان الضيقة؟ بل علّمنا أن العشق يمكن أن يكون مقاومةً، وأن الحب يمكن أن يكون سلاحاً، وأن الوفاء يمكن أن يكون مدرسةً، وأن الشهادة يمكن أن تكون عنوانَ حياةٍ لا نهايةَ رحلة؟
ماذا نقول في سماحة السيد الشهيد القائد حسن نصر الله «قدس سره»، في ذكراه الثانية، وقد كانت ذكراه الأولى كأنها أمس، والجرحُ لم يندمل، والشوقُ لم يهدأ، واللهفةُ لم تنطفئ؟
نقول ما قالته القلوب قبل الأقلام، وما همست به الأرواح قبل الصحائف، وما كتبته الدماء على جدار الزمن: إنّ الشهيد لا يموت، وإنّ العشق لا يُستشهد، وإنّ المدرسة لا تُغلق أبوابها برحيل مؤسسها.
---
أولاً: في السياسة... رجلٌ صنع معادلة الردع من رحم الإيمان
لا يمكن أن نتحدث عن السيد نصر الله بمعزلٍ عن السياسة، فهو رجلٌ صنع السياسة، وأعاد تشكيلها، وفرض معادلاتها على طاولات القوى الكبرى.
لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي، بل كان سياسياً بالمعنى القرآني: رجلٌ يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يهدد، ومتى ينفذ، ومتى يصفح، ومتى يحزم.
في زمنٍ كانت فيه السياسة لعبة الأقوياء، جاء رجلٌ من الجنوب اللبناني، من قلب بيئةٍ بسيطة، ليقول للعالم: إنّ الحق لا يُشترى، وإنّ الدم لا يُهدر، وإنّ المقاومة ليست ترفاً بل ضرورة.
وحين تكلم، سكت العالم. وحين هدد، ارتجفت العواصم.
وحين أطلق وعده، صدق.
قال: «لو ملكتم علينا أقطار الأرض فإن معنا الله».
هذه ليست جملة سياسية، بل هي بيانٌ استراتيجي كامل.
فيها التحدي، وفيها التوكل، وفيها الإعلان بأن قوة لبنان ليست في ترسانته، بل في إيمانه.
وهذه المعادلة، معادلة الإيمان القوي في مواجهة القوة الغاشمة، هي التي جعلت من السيد نصر الله رقماً صعباً في معادلات الشرق الأوسط، ليس لأنه يملك الجيوش، بل لأنه يملك اليقين.
واليوم، بعد عامين على رحيله، نرى أنّ السياسة التي أسسها لا تزال حيةً، لأنها لم تكن سياسة أشخاص بل سياسة مبادئ.
وهي المبادئ التي جعلت من المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن وسوريا وإيران، جسداً واحداً، لا يتجزأ.
---
ثانياً: في الاجتماع والثقافة... رجلٌ بنى الإنسان قبل أن يبني الجدار
لم يكن السيد نصر الله قائداً عسكرياً فحسب، بل كان مهندساً اجتماعياً وثقافياً.
عرف كيف يبني الإنسان قبل أن يبني المؤسسة، وكيف يصنع الوعي قبل أن يصنع السلاح.
كان يدرك أن أي مشروعٍ لا يقوم على الإنسان، سينهار عند أول عاصفة.
لهذا، كان يحرص على أن تمتلئ كل مواقع الحياة الاجتماعية في لبنان بالعقول الواعية والنفوس المحكومة للعقيدة والأيدي النظيفة والذمم الأمينة.
كان يؤمن أن المقاومة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي مشروع حضاري متكامل: من المدرسة إلى الجامعة، ومن المسجد إلى المستشفى، ومن الرياضة إلى الفن، ومن الثقافة إلى الإعلام.
وكان يقول: «لبنان هو وطننا الذي نفتخر به، نعيش فيه ونحمل رايته، وعلينا أن نحافظ عليه بقدر ما نحافظ على هويتنا الدينية والتزامنا بولاية الفقيه، فليس هناك تعارض بين الوفاء لهذا النهج وحب الوطن وخدمته».
هذه الجملة تلخص فلسفة اجتماعية كاملة: الوطن والهوية، والانتماء والعقيدة، لا يتعارضان بل يتكاملان.
وفي الثقافة، كان السيد نصر الله يحمل مشروعاً نهضوياً: أن تُربّى النفوس على الحب لا الخوف، وعلى الصدق لا الشعارات، وعلى البصيرة لا التلقين.
وهذا ما جعل من مدرسته مدرسةً في التربية، لا في القيادة فحسب.
---
ثالثاً: في الصحافة والإعلام... رجلٌ كان يعرف كيف يخاطب العقول والقلوب
في زمن الإعلام المضلل، كان السيد نصر الله خطاباً استثنائياً.
لم يكن يخاطب الغرائز، بل كان يخاطب العقول والقلوب معاً.
كان يعرف متى يستخدم الحجة، ومتى يستخدم العاطفة، ومتى يستخدم الصمت.
كان يطل على الشاشات، فيسمع العالم كله.
كلماته كانت تُترجم فوراً إلى كل اللغات، ليس لأنها خطابات سياسية، بل لأنها خطابات إنسانية.
كان يتكلم عن فلسطين، فيبكي الفلسطيني في غزة والضفة والشتات.
وكان يتكلم عن لبنان، فيبكي اللبناني في الجنوب والبقاع وبيروت.
وكان يتكلم عن الأمة، فتشعر الأمة بأن هناك من يمثلها.
وصفه الإعلام بأنه «ظاهرة إنسانية وفكرية ونموذج نادر من القيادة».
وأنا أقول: لم يكن ظاهرة إعلامية، بل كان إعلاماً بحد ذاته.
كان إعلاماً لأنه كان صادقاً.
والإعلام الصادق لا يحتاج إلى مساحات ضخمة، لأن الصدق يفرض نفسه.
واليوم، بعد عامين على رحيله، لا يزال صوته حاضراً في كل خطاب، ولا يزال أسلوبه يُدرّس، ولا يزال حضوره مرجعاً.
لأن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بعدد القلوب التي يحركها.
---
رابعاً: في العشق والشوق... رجلٌ لم نرَه إلا بعيون القلب
هنا يقف القلم عاجزاً.
هنا تنكسر الكلمات أمام المشاعر.
هنا لا يمكن أن نتحدث بلغة السياسة ولا بلغة الثقافة ولا بلغة الإعلام، بل بلغلة العاشقين، ولغة المشتاقين، ولغة الذين فقدوا حبيباً ولم يجدوا له بديلاً.
يا سيدنا... يا من سكنت القلب قبل أن تسكن الشاشة...
يا من عرفناك صوتاً، فأحببناك روحاً... يا من رأيناك خطيباً، فأحببناك أباً...
كيف نصف الشوق إليك؟
كيف نصف اللهفة إلى صوتك؟
كيف نصف ذلك الحضور الذي كان يبعث الطمأنينة في أحبابه، ويبث الرعب في أعدائه؟
كنا ننتظر خطابك كما ينتظر العاشق لقاء حبيبه.
وكنا نسمع صوتك فيرتعش القلب، لا خوفاً، بل شوقاً.
وكنا نراك تبتسم، فتبتسم الدنيا.
وكنا نراك تحزن، فتحزن القلوب معك.
كنت إنساناً قبل أن تكون قائداً، وبقيت قائداً لأنك بقيت إنساناً.
كان تواضعك يجالس العاملين، ويمازح الطباخ في المطبخ، ويصلي في الصفوف الأولى كأي مصلٍّ.
وكنت تحمل قلباً يسع الجميع.
وكنت تبكي على الشهداء، ثم تعود إلى مسؤوليتك بثبات. وكنت تُظهر مزيجاً من الحنان والهيبة والصدق، حتى في سلامك على الأئمة.
يا سيدنا... يا من قال: «لو ملكتم علينا أقطار الأرض فإن معنا الله»... لقد كنت مع الله، وكان الله معك. ولهذا رحلت، لكنك لم تغب.
ولهذا استشهدت، لكنك لم تمت.
ولهذا غبت عن العيون، لكنك سكنت القلوب.
---
خامساً: في المدرسة... رجلٌ ترك إرثاً لا يزول
لم يكن السيد نصر الله مجرد شخص.
قال عنه السيد الإمام الشهيد الخامنئي «قدس سره»: «لم يكن مجرد شخص، بل كان نهجاً ومدرسة، وهذا النهج سيستمر».
وهذه الشهادة وحدها تكفي.
مدرسة نصر الله هي مدرسة الأمانة في القيادة، والمسؤولية في الولاء، والرحمة في القوة، والإخلاص طريقاً إلى الله والناس.
في هذه المدرسة، يتعلم الإنسان أن القيادة ليست منصباً، بل تكليفاً.
وأن الولاء ليس تبعية، بل مسؤولية.
وأن القوة ليست قسوة، بل رحمة.
وأن الإخلاص ليس شعاراً، بل سلوكاً يومياً.
في هذه المدرسة، يتعلم الإنسان أن يستمع قبل أن يتكلم، وأن يفكر قبل أن يقرر، وأن يتواضع قبل أن يتعالى، وأن يرحم قبل أن يقسو.
في هذه المدرسة، يتعلم الإنسان أن الشهادة ليست نهاية، بل بداية.
وأن الغياب ليس فراقاً، بل حضوراً أكبر.
وهذه المدرسة لم تُغلق أبوابها برحيله.
بقيت مفتوحة في كل من سار على دربه.
بقيت حية في كل من حمل رايته.
بقيت حاضرة في كل من قال: «أنا على العهد يا سيدنا».
---
سادساً: في الختام... حين يصبح الحب وفاءً، والوفاء عهداً
في ذكراه الثانية، نقف أمام هذه الشخصية التي جمعت السياسة والحكمة، والقيادة والإنسانية، والقوة والرحمة، والعشق والوفاء، لنقول:
يا سيدنا... لقد رحلت، لكنك لم تغب.
لقد استشهدت، لكنك لم تمت.
لقد غبت عن العيون، لكنك سكنت القلوب.
لقد تركت أثراً لا يزول، ومدرسة لا تُغلق، وإرثاً لا يندثر.
يا سيدنا... نعاهدك أن نبقى على العهد.
نعاهدك أن نحفظ المدرسة.
نعاهدك أن نكمل الطريق.
نعاهدك أن نكون أوفياء كما كنت وفيّاً، وأن نكون صادقين كما كنت صادقاً، وأن نكون محبين كما كنت محباً.
يا سيدنا... يا سماحة العشق... يا من علّمتنا أن الحب مقاومة، وأن الشهادة حياة، وأن الوفاء عهد لا ينتهي... رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته، وألهم أحبابك الصبر والثبات.
وسلامٌ عليك يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تُبعث حياً.
---
#أمابعد...
فإني أقول لكل من يحاول أن يُطفئ هذه الشعلة، أو أن يُنسي هذه المدرسة، أو أن يُغيّب هذا الحضور: إنّ العشق لا يُستشهد، وإنّ الحب لا يموت، وإنّ المدرسة لا تُغلق أبوابها.
وإنّ سيد المقاومة، وإن رحل جسداً، فإنه لا يزال حاضراً فينا روحاً، وفكراً، ونهجاً، ووفاءً.
وإنّ الذكرى الثانية ليست نهاية، بل هي بداية جديدة لطريقٍ طويلٍ سنسلكه على خطاه.
وإنّ لبنان، وإنّ فلسطين، وان اليمن، وإن العراق، وإن إيران، وإنّ الأمة، لا تنسى من ضحّى من أجلها.
وإنّ الدماء التي أُريقت لا تذهب هدراً، بل تُكتب بمداد من نور في سجل الخالدين.
#رفعتالجلسة ...
#البحرالمحضار ...